محمد سعيد رمضان البوطي

27

من روايع القرآن

عائدا إلى البيت وإن فؤاده ليرتجف خوفا . وفي الحديث أيضا أن خديجة ذهبت به إلى ورقة بن نوفل ، وكان شخا كبيرا قد تنصّر في الجاهلية فأخبره بالأمر ، فقال له ورقة : إن هذا هو الناموس ( أي الوحي ) الذي نزل على موسى ، وطمأنه أنه ليس شرّا . وفي الحديث أيضا أن الوحي قد انقطع بعد ذلك مدة طويلة من الزمن ، وأن الضيق والألم قد استبدا به صلّى اللّه عليه وسلّم من ذلك ، خوفا من أن يكون قد أساء فتحول عنه الوحي لذلك . ثم إنه رأى ذلك الملك مرة أخرى ، وقد ملأ مظهره ما بين السماء والأرض ، قال : فرعبت منه ورجعت فقلت : زملوني زملوني . . فنزل عليه قوله تعالى يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، قُمْ فَأَنْذِرْ ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ إلى قوله وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ثم تتابع الوحي بعد ذلك . هذه الحقائق الواردة في هذا الحديث لا يمكن أن نتجاهلها أو نردّها بشكل ما ، لسبين : أولهما - أن ظاهرة الوحي التي يتحدث الكاتبون عن حقيقتها إنما وصلت إلينا عن طريق هذا الحديث ونحوه ، فإذا ضربت صفحا عن هذه الكلمة نفسها ، إذ لا معنى للبحث في شيء غير موجود ولا واقع من أساسه . ثانيهما - أن الحديث ليس من قبيل هذه الاستنتاجات النظرية أو التاريخية التي يجنح إليها كثير من باحثي هذا العصر ويبنون عليها أحمالا وأثقالا من الأحكام الخطيرة الهامة ، بل هو خبر نقل بواسطة سند متصل من الرواة ، خلا أصحابه - بعد الدراسة لتراجمهم وأحوالهم - عن أي تهمة تبعث الشك في كلامهم . وإذا فرضنا أن يكون الوحي ليس إلا شعورا نفسيا أو إشراقا روحيا أو إلهاما داخليا ، ثم عدنا إلى هذا الحديث ، وجدناه يناقض هذا الفرض مناقضة صريحة صارخة ، لأسباب كثيرة نذكر منها ما يلي : 1 - إن شيئا من حالات الإلهام أو حديث النفس أو الإشراق الروحي ، لا يستدعي الخوف والرعب واصفرار اللون ، وليس ثمة أي انسجام بين